محمد جمال الدين القاسمي

208

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 70 ] لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ( 70 ) لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي : على الإيمان باللّه ورسله وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ليقفوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ أي : بما يخالف هواهم ويضادّ شهواتهم من الأحكام الحقة . مع أن وضع الرسالة ، الدعوة إلى مخالفة الهوى فَرِيقاً منهم كَذَّبُوا مع ظهور دلائل صدقهم وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ بعد التكذيب . سدّا لدعوتهم إلى ما يخالف أهويتهم . لطيفتان : الأولى : قال الزمخشريّ : جواب الشرط محذوف يدل عليه قوله فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ كأنه قيل : كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه . قال الناصر في ( الانتصاف ) : ومما يدل على حذف الجواب أنه جاء ظاهرا في الآية الأخرى ، وهي توأمة هذه ، قوله تعالى : أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ [ البقرة : 87 ] . فأوقع قوله اسْتَكْبَرْتُمْ جوابا . ثم فسر استكبارهم وصنيعهم بالأنبياء بقتل البعض وتكذيب البعض . فلو قدر الزمخشري هاهنا الجواب المحذوف مثل المنطوق به في أخت الآية فقال : وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم استكبروا ، لكان أولى ، لدلالة مثله عليه . الثانية : قال الزمخشريّ : فإن قلت : لم جيء بأحد الفعلين ماضيا وبالآخر مضارعا ؟ قلت : جيء يَقْتُلُونَ على حكاية الحال الماضية استفظاعا للقتل واستحضارا لتلك الحال الشنيعة ، للتعجيب منها . قال في ( الانتصاف ) : أو يكون حالا على حقيقته . لأنهم داروا حول قتل محمد صلى اللّه عليه وسلم . وقد قيل هذا الوجه في أخت هذه الآية في ( البقرة ) ؛ وقد مضى وجه اقتضاء صيغة الفعل المضارع لاستحضاره دون الماضي ، وتمثيله بقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [ الحج : 63 ] . فعدل عن ( فأصبحت ) إلى ( فتصبح ) تصويرا للحال واستحضارا لها في ذهن السامع ، ومنه :